جلال الدين الرومي

463

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

فهذا على قدر فهمك وهمتك ، فقد قلت مراراً أنني مت حسرة على الفهم الصحيح ( البيت 2100 من الكتاب الثالث ) وحيثما وجد غذاء يوجد آكلة ولا فائدة من معنى يطرح أمام من لا يدركه . ( 766 - 781 ) : إذن فهذا العالم كله في نزع وفي موت ، تموت خلايا وتتجدد بدلًا منها خلايا أخرى ، وليس الماء الذي يجرى في الجدول هذه اللحظة هو نفس الماء الذي كان يجرى في اللحظة السابقة ، ( انظر الكتاب الأول : البيت 1150 في كل لحظة لك موت ورجعة ) وما دام الناس كل لحظة في نزع وموت فإن كل ما يتشدقون به من ألفاظ يكون من قبيل الوصايا التي يوصى بها المحتضرون أولادهم ، فانظر إلى كل شئ على أنه غارب ومنته ومنقض حتى لا تفاجأ بالنهاية ف : لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه ( بيت لأبي العلاء المعرى ) . ولا تظنن أن النهاية بعيدة فكل آت آت ، وكل آت بعد حين فهو آت ، المهم أن تبعد عن عينيك الأغراض الدنيوية وألا يكون اهتمامك بها فحسب ، وإن عجزت عن ذلك فلا تستسلم لهذا العجز ولا تقف عليه ، فمع عجزك يكون الله معك " ويفعل بالضعيف حتى يتعجب القوى " ، وذوو الأقدام المحطمة الذين سلموا هم أول من وصل إلى المقصد ، هذا العجز قيد ، فانظر إليه - وتضرع إلى الإله الواحد الذي يستطيع أن يحل عن قدمك هذا العجز ، فالإنسان في خسر إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( العصر / 2 ) . وهذا هو الحكم العام ولا يستطيع أن ينجيه من هذا الخسر إلا الإله ، وراجع نفسك ما الذي قيد قدمك ، أتراه الشر الذي سعيت فيه وأثقلت به هذا القدم ، أو الصمم الذي أصاب أذنك ، أم الادعاء الذي تدعيه من أنك كسرت أصنام الأهواء في حين أنك كنت تنحتها وتقيمها وتزيد فيها ، أكنت منصرفاً إلى صنمك ترى ذكره واجباً ولا ترى ذكر الموت واجباً ، أجل ، الموت أمامك في كل لحظة رأيته وجربته في فقدك الأحباب يذوون أمامك وينتهون أمامك ، وتتسرب منهم الحياة ، لكنك